فخر الدين الرازي
675
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
بالعبودية ، وإن كان من كلام الجن كان المعنى أن عبد اللّه لما اشتغل بعبودية اللّه ، فهؤلاء الكفار لم اجتمعوا ولم حاولوا منعه منه ، مع أن ذلك هو الموافق لقانون العقل ؟ . [ سورة الجن ( 72 ) : آية 20 ] قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً ( 20 ) قرأ العامة ( قال ) على الغيبة وقرأ عاصم وحمزة ، قُلْ حتى يكون نظيرا لما بعده ، وهو قوله : قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ [ الجن : 21 ] قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي [ الجن : 22 ] قال مقاتل : إن كفار مكة قالوا للنبي صلى اللّه عليه وسلم : « إنك جئت بأمر عظيم وقد عاديت الناس كلهم ، فارجع عن هذا » فأنزل اللّه : قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وهذا حجة لعاصم وحمزة ، ومن قرأ قال حمل ذلك على أن القوم لما قالوا ذلك ، أجابهم النبي صلى اللّه عليه وسلم بقوله : إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي فحكى اللّه ذلك عنه بقوله قال أو يكون ذاك من بقية حكاية الجن أحوال الرسول لقومهم . [ سورة الجن ( 72 ) : آية 21 ] قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً ( 21 ) إما أن يفسر الرشد بالنفع حتى يكون تقدير الكلام : لا أملك لكم غيا ولا رشدا ، ويدل عليه قراءة أبي ( غيا ولا رشدا ) ، ومعنى الكلام أن النافع والضار ، والمرشد والمغوي هو اللّه ، وإن أحدا من الخلق لا قدرة له عليه . [ سورة الجن ( 72 ) : آية 22 ] قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً ( 22 ) قوله تعالى : قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ قال مقاتل : إنهم قالوا : أترك ما تدعو إليه ونحن نجيرك ، فقال اللّه له : قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ . ثم قال تعالى : وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً أي ملجأ وحرزا ، قال المبرد : مُلْتَحَداً مثل قولك منعرجا ، والتحد معناه في اللغة مال ، فالملتحد المدخل من الأرض مثل السرب الذاهب في الأرض . [ سورة الجن ( 72 ) : آية 23 ] إِلاَّ بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ( 23 ) قوله تعالى : إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ ذكروا في هذا الاستثناء وجوها أحدها : أنه استثناء من قوله : لا أَمْلِكُ [ الجن : 21 ] أي لا أملك لكم ضرا ولا رشدا إلا بلاغا من اللّه ، وقوله : قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي [ الجن : 22 ] جملة معترضة وقعت في البين لتأكيد نفي الاستطاعة عنه وبيان عجزه على معنى : أنه تعالى إن أراد به سوءا لم يقدر أحد أن يجيره منه ، وهذا قول الفراء . وثانيها : وهو قول الزجاج : أنه نصب على البدل من قوله : مُلْتَحَداً [ الجن : 22 ] والمعنى : ولن أجد من دونه ملجأ إلا بلاغا ، أي لا ينجيني إلا أن أبلغ عن اللّه ما أرسلت به ، وأقول هذا الاستثناء منقطع لأنه تعالى لما لم يقل ولن أجد ملتحدا بل قال : وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً ، والبلاغ من اللّه لا يكون داخلا تحت قوله : مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً لأن البلاغ من اللّه لا يكون من دون اللّه ، بل يكون من اللّه وبإعانته وتوفيقه ثالثها : قال بعضهم : ( إلا ) معناه إن [ لا ] « 1 » ومعناه : إن لا أبلغ بلاغا كقولك : ( إلا ) « 2 » قياما فقعودا ، والمعنى : إن لا أبلغ لم أجد ملتحدا ، فإن قيل : المشهور أنه يقال بلغ عنه قال
--> ( 1 ) زيادة من الكشاف 4 / 171 ط . دار الفكر . ( 2 ) في الكشاف ( إن لا ) 4 / 171 ط . دار الفكر .